الواصل من الشوارع الخلفيّة ..
يحاول مستمرًا رؤية الجذر ، و الإطلال من الأعلى …

 

نعوم تشومسكي يشرح ما هي الأناركية ؟

لبعض المحاضرين بالجامعات ، أتحدث

image

التدريس الجامعي كما أفهمه ، عمل قيمته الحقيقية تكمن في المرونة و السلاسة بين طارح المادة العلميّة و متلقيها ، و التحرر من كل الكلاشيهات المتوارثة عن عملية التدريس باسم ( الحزم \ الصرامة \ قوة الشخصية \ الانضباط ) ، خاصة و أنه في بيئة مثل بيئتنا ، ضاجّة بالتناقض وتعاقب الفوضى كجزء من دائرة عشوائية ذات آثار متعديّة ؛ يصبح انتهاج القوالب الجاهزة في عملية التدريس ، مسرحية هزليّة مثيرة للضحك ، و صراعًا فعليًا مع طواحين الهواء .

المحاضر – أيًا كانت درجته العلمية – ليس مطلوبًا منه أن يفتعل “شخصية” على الطالب ، بتصنع تعابير وجه جامدة ، و طبقة صوت تجتر التضخيم ، و منع الطلاب من دخولهم قاعة المحاضرات بعده ، و كأن دخوله مساويًا في صرامته لدخول أذان الفجر في رمضان .
و المحاضر ليس مطلوبًا منه أن يدخل في تحدٍ مع زملائه ، لا يليق إلا بصغار العقول ، أيهما يُعجِّز الطلبة أكثر في أسئلة الاختبارات  ، مباهيًا بأن اختباره كان “الأصعب” ، فناهيك عن أن هذا السلوك ينم عن سادية و خلل نفسي ، يستحق صاحبه أن يكون في غرف العلاج و ليس في غُرف التدريس ، إلا أنه في ذات الوقت سلوك ينحرف عن أي مقصد نقي لإفادة الآخرين من العملية التعليمية برمتها ، ليختزلها في أهداف لا يمكن وصفها إلا بالدنيئة أو التافهة في أحسن الأحوال .
و المحاضر حريٌ به – إن أراد احترام نفسه أمام أجيال لم يعد من السهل خداعها – أن يعي حدوده جيدًا ، فهو ليس مكلفًا بإعادة تربية من يحاضر أمامهم ، إنما ينحصر دوره في عرض المادة العلميّة ، يعني بالعربي ، و كما قال الكاتب أمين الريحاني : قل كلمتك .. و امش .

يجادل بعض المحاضرين في أحقية كونهم “أطرافًا ملزمة” لفرض شيء على من يُحاضرون أمامهم ، متعللين بأن هذا الفرض لـ “تعويد الطلبة على الالتزام” ، و هم هنا يقعون في مغالطة بيِّنة ، حيث يفوتهم أن هناك فرقًا بين أن “يتعود” الطلبة على الالتزام ، و بين أن “يُفرض“ على الطالب هذا التعود على الالتزام ، فيشوهون قيمة التعلم نفسها بالعبث فيها بأمور ليست من جنسها ، حيث أن التعلم الحقيقي كقيمة مؤثرة في وجدان الناس ، لا يمكن أن يحصل بالفرض أو الإرغام ، و لا يصبح التعلم حقيقيًا إلا إذا كانت الرغبة فيه و الحرص على الالتزام “باشتراطاته” مسيرّة من داخل الذات و ليست مفروضة عليها بالتسلط من خارجها ، فالفرض و التسلط ؛ ينتج كائنات آلية ، فقيرة في التنوع و ضعيفة الفعالية ، تميل للتوقف و الانهيار أمام العقبات دون محاولات جادة للتجاوز . و تنبع هذه المغالطة لدى البعض المحاضرين بنظري ؛ من تصورٍ وهميٍ لديهم عن طبيعة دورهم الحقيقي ، فيتعدون على ما ليس لهم ؛ ثم يتوهمون بعد ذلك أنه حق مكتسب ، و ينفرون – بلا منطق – من نقاش استحقاقهم المُتوهَّم هذا ، خاصة عندما تُحاول إفهامهم بأن هذا الهوس في ممارسة الفرض على الطالب لا علاقة له بالحرص على مصلحة الآخرين ، و إنما يكشف – بدرجات – عن رغبات شخصية بالهيمنة و التسلط و الاستعانة بقوة مُستعارة تغطي نقص القوة الحقيقية في ثقل حضورهم الشخصي و العلمي و مهاراتهم التعليمية ، لذلك و عندما تُحاول أن تجردهم من هذا الوهم ، فإنهم يدافعون عن تلبسه بكل ضراوة لأنهم لن يطيقوا مواجهتهم بحقيقة هذا النقص المُريع فيهم .

ما هو مطلوبٌ من المُحاضر بنظري ، أن يعزز مفهوم المسؤولية الذاتية عند الطالب ، بعيدا عن التلويح الطفولي بثنائية الثواب و العقاب السخيفة ، و ذلك بإيصال معنىً مباشرًا للطالب ، أن اجتهادك يفيدك أنتَ ، و عدمه يضرك أنتَ ، و عليه ؛ فأنا كمحاضر لست مُلزمًا تجاهك لا بثواب و لا بعقاب . و أرى التأكيد على مسؤولية الطالب الذاتية أمرًا شديدة الأهمية ؛ فالركود الذي ترسّب في أنفس الناس ، نتيجة افتقادهم للقدر الطبيعي من الحياة الحقيقية في سياق حياتهم الطويل ؛ أفقدهم الباعث الذاتي على فعل الشيء “الصحيح” لأنه صحيح ، و أبعدهم عن الرغبة في القيام بأداء مهامهم بكيانهم اعتمادًا على التراكم ، و دفعهم لسلوك يعتمد على التملك و المنافسة ، يهتم بالتجميع و يعتمد على التكدس ، و أصبحنا نرى الناس لا تشعر بما تفعل ؛ فكانت محصلة مجهوداتهم في الحياة تقترب فعليا من الصفر ، و لعل هذا ما يجعل أحدهم لا يتذكر أي معلومات تتعلق بتخصصه بعد انتهاء السنة الدراسية “بأيام” فعلاً .

ما هو مطلوب من المحاضر ، أن يعلم بأن “التراضي” هو مفتاح أي تعلم “حقيقي” ، لذا فالمفارقة ، أن الطالب الجامعي – وفي بدايات دخوله للجامعة – تُمطر أذنيه بعبارات التبشير بأنه قد أصبح مسؤولاً عن نفسه ، في ذات الوقت الذي تُفرض عليه قوانين مدرسية لا تليق بما يُقال عن تعزيز مسؤوليته الذاتية ، من قبيل قوانين الحضور و الغياب ، و الإلزام بنوعية أزياء معينة !! فالحضور و الغياب لم و لن يكن أبدًا معيارًا للاستفادة العلميّة ، لأن المطلوب من أي طالب ببساطة هو مدى هضمه للمادة العلمية ، و هو أمرٌ يتحدد حسمه في قاعات الاختبار ، أما الإلزام بحضور و غياب فهي فذلكة تعزز سلوكيات الرياء و المجاملة و قيم “دهن السير” ، خاصّة إذا كان المحاضر من ثقلاء الروح و خفيفي العقل و منعدمي التمييز و الوعي .

كذلك ، فإنه من عظيم السطحيّة و السذاجة ، تخيل أي ارتباط بين الزي الذي يرتديه الطالب ، و بين استعداده العلمي ، بل الأعجب ، أن الزي أحيانًا قد يقود بعض المحاضرين لتخمين “المستوى العلمي” للطالبات و الطلاب ، فالطالبة ذات التنورة القصيرة و “تاتّو الرقبة” هي بالضرورة عنوان الاستهتار و الفشل ، و الطالب صاحب تسريحة سبايكي و الشورت البرتقالي هو بالتأكيد رأس حربة من رؤوس الانحلال و التردي العلمي .
و لهذا تصبح قوانين الإلزام التي تعتمد على الشكل ، أو الربط اللامنطقي بين الشكل و الجوهر ، أمرًا بالتأكيد لا يستوي مع فكرة “التراضي” ، و هي قوانين مُضحكة في الحقيقية عند مناقشة غايتها و جدواها ، و عندما تحاول القيام بأي ربط منطقي ، مع من يدافع عنها “بضراوة” و دون استعداد للتراجع أمام المنطق ، فإنك لا تملك إلاّ أن تصل لنتيجة واحدة مفادها : أن من يتخيل وجود أي منطق في هذا العبث ، هم غالبًا أصناف من البشر ، يعانون من عُقَد و هشاشة نفسية عميقة لا تسمح لهم بالتواجد في محيط مرن ، مهووسون بمعايير زائفة باسم  الانضباط و الاجتهاد و الأدب ، يختبئ بداخلهم “فاشيست صغير” قابل للنمو ، لا يتحملون رؤية أي تنوع أو استيعاب لطرائق الناس في التعامل مع المضامين الحقيقية للأشياء بعيدًا عن إلزام شكلي لهذا التعامل ، لا ضرورة لوجوده إلا في عقولهم .

الطالب الجامعي ليس مُحتاجًا لأن يعاقبه أحد إن أهمل \تساهل \ تكاسل ، هو بحاجة لمن يفهمه أنه و كفرد مسؤول عن توسيع مداركه و آفاقه ، يعاقب نفسه بنفسه إن تسيّب أو اجتهد بالطريقة الخطأ بالسعي المهووس لتجميع أكبر قدر من الدرجات و السعي نحو “الشكلية” دون الحرص على أن يوثر ما يتعلمه في بنيته الذهنية و النفسيّة ، لأنه بهذا يصبح مستقبلاً بلا فعاليّة حقيقية – حتى و إن نجح و تفوق – لأنه ما كان يدرس لنفسه ، بل كان يدرس “للمحاضر \ للقوانين \ للشكل \ للاختبار \ للوظيفة ” .

و في ظل نظم تعليمية فاشلة بالأساس ، يستعلي المحاضرون على فكرة “التعاطف” مع من يعتبرونه “فاشلاً” ، إن هؤلاء القوم لمثيرون للشفقة فعلاً .
من الطبيعي جدًا بل و المهم ، و في ظل هذه العشوائية التي تحيط بنا ، أن يكون هناك قدرًا من التعاطف مع المهمل ، فهذا جزء من الشك المطلوب حضوره طوال الوقت ، الشك بأشياء كثيرة ، ابتداءً بطريقة التدريس نفسها ، مرورا بمدى ملاءمة صياغة المناهج ، وليس انتهاءً بمدى التباين العقلي والنفسي والظرفي للطلاب . لأن الصرامة في حد ذاتها تفترض على الوجه الآخر كمالية بنهج المحاضر ، هي غير موجودة ولن تكون .
و عندما أقول “قدرًا من التعاطف” ، فهذا يعني أن النظرة للتعاطف ليست مطلقة ، بل نسبية مقيدة بالسياق ، فالتعاطف ينشأ من فهم المحاضر نفسه للسياق اللي أدى لحدوث هذا الإهمال ، و على قدر فهمه و سعة أفقه ، يكون قدر التعاطف .

إن الإحساس الشائع بالخواء لدى كثيرين ممن يتواجدون في الجامعة سواءً كانوا طلابًا أم محاضرين ، يستلزم من الجميع الفهم بأن الاستمرار في فعل الشيء كما هو ؛ سوف يجعلهم يحصلون على نفس النتائج كما هي ، و أن الأمر بات مُلحًّا لإعادة النظر في الأساليب المتبعة للعلاقة بالمكان ، و بالعملية التعليمية ، و بالغاية أصلاً من دور الطالب و المحاضر ، فالطالب عليه أن يفهم بأنه ليس مجبورًا على دراسة لا تناسب ميوله و لا رغبات روحه من أجل سوق عمل قابل للتبدل و الانقلاب ، و المحاضر عليه أن يفهم أن الجامعة ليست هي المسرح المناسب لتفريغ عقده النفسية ، أو الحصول على مظهر اجتماعي زائف يُسعى إلى رسمه بإصرار الجاهل ، تعويضًا عن تهميش و قمع تعرض و يتعرض له في حياته ، نتيجة عشوائية البيئة التي نشأ فيها ، هذه العشوائية التي عليه أن يكلف نفسه و عقله عناء المساهمة في تغييرها ، ليبدأ من حيث هو ، محاولاً معالجة عُقد الماضي و ينسى مُسلماته التي تشربها بلا وعي .

عن مُستقبل الصحّة النفسيّة في الوطن العربي

image

 

كان لغياب الرؤية الشمولية في تقييم أوضاع الصحة النفسية في الوطن العربي دورًا واضحًا في تشتيت جهود دؤوبة تسعى للارتقاء بجودة الخدمات العلاجية المقدمة ، و آمالاً حقيقية لمن يعانون من وطأة الاضطرابات و ذويهم في العلاج الفاعل ، و تواطأ هذا كله مع بيروقراطية الجهات الحقوقيّة المعنيّة في هذه البلدان و غياب أي دور فاعل لمنظمات مجتمع مدني تُعنى بهذا الأمر عناية جادة ، و هذا سوف يدفعنا لأن ندرك بعمق أن مستقبل الصحة النفسية ، بحاجة لنظرة “جذرية” تقترح حلولاً لاختلال بنيوي واضح في هذه القضية .

 و لأن هذه النظرة بحاجة لأفكار تحفزها على التوسع و التطور ، لترسم إطارًا نظريًا مهمًا لملامح مبادرات يتلقفها المتخصصون و المهتمون بشأن الصحة النفسية في مجتمعاتهم ، يُمكن طرح محورين في هذا السياق :

- أولاً : إن مستقبل الصحة النفسية بحاجة لمشروع طموح “شديد التكثيف” لتغيير الذهنية الجمعية عن فكرة العلاج النفسي أساسًا و طبيعة الاضطرابات ، يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي و وسائل الإعلام مستهدفًا كافة شرائح المجتمع ، و التي لا تزال أسيرة أساطير و خرافات عن العلاج النفسي و طبيعته و طبيعة من يعالِجُون و من يُعالَجون على حد سواء و كأنهم من كواكب أُخرى ، هذه الأساطير التي دفعت لانتكاسات كُبرى بالمجتمع أبرزها انعزال و تحطُم نفسية المُعاني و ذويه نتيجة نظرة اجتماعية جاهلة ، و أيضًا تفاقم الأمراض النفسية إما نتيجة الجهل أو الخجل بالتالي إهمال علاجها ، أو الاتجاه إلى الدّجالين أو غير المتخصصين لمعالجة أمور لا يعلمون عنها أي شيء . و لا يفوت التأكيد على أن تكون لغة الخطاب التي يعتمدها المشروع سلسة و تصل للناس بسهولة دون تعقيد و بشكل يشعرهم “بطبيعية” الأمر و ليس تخويفهم ، فإحساس الناس ” بالألفة ” مع الفكرة هو الهدف الأساسي ، قبل البدء في المرحلة الثانية من المشروع و هي “التوعية” بأسلوب مُبتكر و غير تقليدي ، فلا وجود لأي جودة بالصحة النفسية إن لم تكن هناك بيئة مُجتمعية “حاضنة” .

 - ثانيًا: التأكيد – و تحته ألف خط – على ضمان وصول العلاج لكل الشرائح الاجتماعية و على رأسها الشرائح الفقيرة و ذات الدخل المحدود – الذين تتزايد أعدادهم – حيث يمثلون أكثر الشرائح المعانية من الجهل و عدم القدرة على تحمل تكاليف العلاج المرتفعة بنفس الوقت الذي تُحدُّ عليهم خدماته ، و يُعمل على ذلك من خلال مبادرات بالطلب المباشر من الجهات الحكومية المختصّة ، أو بمبادرات تطوعية مموّلة من رؤوس أموال وطنية أو بجهود ذاتية . إن الانشغال بتقديم الخدمات العلاجية للميسورين فقط و تجاهل وجود شرائح ذات حاجة أشد ، يُفاقم انهيار الصحة النفسية للمجتمع ككل دون أن نعي .

 من خلال هذين المحورين الجذريين – القابلين للزيادة – سوف نصبح ضامنين لوجود بيئة تسمح من الأصل بحدوث تطور ” سلس” على مستوى المُعالَج و المُعالِج و كل الإمكانيات المادية المستخدمة بالخطط العلاجية ، تتمثل أهم ملامحه بمراكز علاجية كافية تستوعب الضغط على المراكز الفاعلة القليلة الحالية ، و توظف الكثير الخريجين المتخصصين في نظام أكثر كفاءة بشعرهم بالإنجاز و بالتالي يحفزهم على الابتكار و التطوير ، و تخلق بيئة شاعرة باحتياجها الحقيقي للاهتمام بكل ما يتعلق بصحتها النفسية ، هذا الاحتياج الذي هو وقود عملية تطور الصحة النفسية برمتها .

اللهو الخفي 

اللهو الخفي 

إنفوجرافيك من إعداد سهام الثقفي ، يعرض بعض الإحصائيات عن التدوين في العالم العربي . 

إنفوجرافيك من إعداد سهام الثقفي ، يعرض بعض الإحصائيات عن التدوين في العالم العربي . 

لكن سلوكه العام كان ذاتيًا لدرجة أن أحدًا لم يعتبره مواليًا له :
فالليبراليون يرون فيه قوطيًا من قوطيي الكهوف , و المحافظون يقولون أنّ ما ينقصه هو أن يكون ماسونيًا فقط , و يبتعد عنه الماسونيون باعتباره كاهنًا متخفيًا يعمل في خدمة الكرسي البابويّ , و أقل نقاده دمويةً كانوا يفكرون بأنه ليس سوى أرستقراطي غارق في ملذات ألعاب عيد الزهور ، بينما الأمة تنزف في حرب أهلية لا تنتهي.

"ماركيز - من رواية "الحب في زمن الكوليرا