الواصل من الشوارع الخلفيّة ..
يحاول مستمرًا رؤية الجذر ، و الإطلال من الأعلى …
Catching Elephant is a theme by Andy Taylor
نعوم تشومسكي يشرح ما هي الأناركية ؟

التدريس الجامعي كما أفهمه ، عمل قيمته الحقيقية تكمن في المرونة و السلاسة بين طارح المادة العلميّة و متلقيها ، و التحرر من كل الكلاشيهات المتوارثة عن عملية التدريس باسم ( الحزم \ الصرامة \ قوة الشخصية \ الانضباط ) ، خاصة و أنه في بيئة مثل بيئتنا ، ضاجّة بالتناقض وتعاقب الفوضى كجزء من دائرة عشوائية ذات آثار متعديّة ؛ يصبح انتهاج القوالب الجاهزة في عملية التدريس ، مسرحية هزليّة مثيرة للضحك ، و صراعًا فعليًا مع طواحين الهواء .
المحاضر – أيًا كانت درجته العلمية – ليس مطلوبًا منه أن يفتعل “شخصية” على الطالب ، بتصنع تعابير وجه جامدة ، و طبقة صوت تجتر التضخيم ، و منع الطلاب من دخولهم قاعة المحاضرات بعده ، و كأن دخوله مساويًا في صرامته لدخول أذان الفجر في رمضان .
و المحاضر ليس مطلوبًا منه أن يدخل في تحدٍ مع زملائه ، لا يليق إلا بصغار العقول ، أيهما يُعجِّز الطلبة أكثر في أسئلة الاختبارات ، مباهيًا بأن اختباره كان “الأصعب” ، فناهيك عن أن هذا السلوك ينم عن سادية و خلل نفسي ، يستحق صاحبه أن يكون في غرف العلاج و ليس في غُرف التدريس ، إلا أنه في ذات الوقت سلوك ينحرف عن أي مقصد نقي لإفادة الآخرين من العملية التعليمية برمتها ، ليختزلها في أهداف لا يمكن وصفها إلا بالدنيئة أو التافهة في أحسن الأحوال .
و المحاضر حريٌ به – إن أراد احترام نفسه أمام أجيال لم يعد من السهل خداعها – أن يعي حدوده جيدًا ، فهو ليس مكلفًا بإعادة تربية من يحاضر أمامهم ، إنما ينحصر دوره في عرض المادة العلميّة ، يعني بالعربي ، و كما قال الكاتب أمين الريحاني : قل كلمتك .. و امش .
يجادل بعض المحاضرين في أحقية كونهم “أطرافًا ملزمة” لفرض شيء على من يُحاضرون أمامهم ، متعللين بأن هذا الفرض لـ “تعويد الطلبة على الالتزام” ، و هم هنا يقعون في مغالطة بيِّنة ، حيث يفوتهم أن هناك فرقًا بين أن “يتعود” الطلبة على الالتزام ، و بين أن “يُفرض“ على الطالب هذا التعود على الالتزام ، فيشوهون قيمة التعلم نفسها بالعبث فيها بأمور ليست من جنسها ، حيث أن التعلم الحقيقي كقيمة مؤثرة في وجدان الناس ، لا يمكن أن يحصل بالفرض أو الإرغام ، و لا يصبح التعلم حقيقيًا إلا إذا كانت الرغبة فيه و الحرص على الالتزام “باشتراطاته” مسيرّة من داخل الذات و ليست مفروضة عليها بالتسلط من خارجها ، فالفرض و التسلط ؛ ينتج كائنات آلية ، فقيرة في التنوع و ضعيفة الفعالية ، تميل للتوقف و الانهيار أمام العقبات دون محاولات جادة للتجاوز . و تنبع هذه المغالطة لدى البعض المحاضرين بنظري ؛ من تصورٍ وهميٍ لديهم عن طبيعة دورهم الحقيقي ، فيتعدون على ما ليس لهم ؛ ثم يتوهمون بعد ذلك أنه حق مكتسب ، و ينفرون – بلا منطق – من نقاش استحقاقهم المُتوهَّم هذا ، خاصة عندما تُحاول إفهامهم بأن هذا الهوس في ممارسة الفرض على الطالب لا علاقة له بالحرص على مصلحة الآخرين ، و إنما يكشف – بدرجات – عن رغبات شخصية بالهيمنة و التسلط و الاستعانة بقوة مُستعارة تغطي نقص القوة الحقيقية في ثقل حضورهم الشخصي و العلمي و مهاراتهم التعليمية ، لذلك و عندما تُحاول أن تجردهم من هذا الوهم ، فإنهم يدافعون عن تلبسه بكل ضراوة لأنهم لن يطيقوا مواجهتهم بحقيقة هذا النقص المُريع فيهم .
ما هو مطلوبٌ من المُحاضر بنظري ، أن يعزز مفهوم المسؤولية الذاتية عند الطالب ، بعيدا عن التلويح الطفولي بثنائية الثواب و العقاب السخيفة ، و ذلك بإيصال معنىً مباشرًا للطالب ، أن اجتهادك يفيدك أنتَ ، و عدمه يضرك أنتَ ، و عليه ؛ فأنا كمحاضر لست مُلزمًا تجاهك لا بثواب و لا بعقاب . و أرى التأكيد على مسؤولية الطالب الذاتية أمرًا شديدة الأهمية ؛ فالركود الذي ترسّب في أنفس الناس ، نتيجة افتقادهم للقدر الطبيعي من الحياة الحقيقية في سياق حياتهم الطويل ؛ أفقدهم الباعث الذاتي على فعل الشيء “الصحيح” لأنه صحيح ، و أبعدهم عن الرغبة في القيام بأداء مهامهم بكيانهم اعتمادًا على التراكم ، و دفعهم لسلوك يعتمد على التملك و المنافسة ، يهتم بالتجميع و يعتمد على التكدس ، و أصبحنا نرى الناس لا تشعر بما تفعل ؛ فكانت محصلة مجهوداتهم في الحياة تقترب فعليا من الصفر ، و لعل هذا ما يجعل أحدهم لا يتذكر أي معلومات تتعلق بتخصصه بعد انتهاء السنة الدراسية “بأيام” فعلاً .
ما هو مطلوب من المحاضر ، أن يعلم بأن “التراضي” هو مفتاح أي تعلم “حقيقي” ، لذا فالمفارقة ، أن الطالب الجامعي – وفي بدايات دخوله للجامعة – تُمطر أذنيه بعبارات التبشير بأنه قد أصبح مسؤولاً عن نفسه ، في ذات الوقت الذي تُفرض عليه قوانين مدرسية لا تليق بما يُقال عن تعزيز مسؤوليته الذاتية ، من قبيل قوانين الحضور و الغياب ، و الإلزام بنوعية أزياء معينة !! فالحضور و الغياب لم و لن يكن أبدًا معيارًا للاستفادة العلميّة ، لأن المطلوب من أي طالب ببساطة هو مدى هضمه للمادة العلمية ، و هو أمرٌ يتحدد حسمه في قاعات الاختبار ، أما الإلزام بحضور و غياب فهي فذلكة تعزز سلوكيات الرياء و المجاملة و قيم “دهن السير” ، خاصّة إذا كان المحاضر من ثقلاء الروح و خفيفي العقل و منعدمي التمييز و الوعي .
كذلك ، فإنه من عظيم السطحيّة و السذاجة ، تخيل أي ارتباط بين الزي الذي يرتديه الطالب ، و بين استعداده العلمي ، بل الأعجب ، أن الزي أحيانًا قد يقود بعض المحاضرين لتخمين “المستوى العلمي” للطالبات و الطلاب ، فالطالبة ذات التنورة القصيرة و “تاتّو الرقبة” هي بالضرورة عنوان الاستهتار و الفشل ، و الطالب صاحب تسريحة سبايكي و الشورت البرتقالي هو بالتأكيد رأس حربة من رؤوس الانحلال و التردي العلمي .
و لهذا تصبح قوانين الإلزام التي تعتمد على الشكل ، أو الربط اللامنطقي بين الشكل و الجوهر ، أمرًا بالتأكيد لا يستوي مع فكرة “التراضي” ، و هي قوانين مُضحكة في الحقيقية عند مناقشة غايتها و جدواها ، و عندما تحاول القيام بأي ربط منطقي ، مع من يدافع عنها “بضراوة” و دون استعداد للتراجع أمام المنطق ، فإنك لا تملك إلاّ أن تصل لنتيجة واحدة مفادها : أن من يتخيل وجود أي منطق في هذا العبث ، هم غالبًا أصناف من البشر ، يعانون من عُقَد و هشاشة نفسية عميقة لا تسمح لهم بالتواجد في محيط مرن ، مهووسون بمعايير زائفة باسم الانضباط و الاجتهاد و الأدب ، يختبئ بداخلهم “فاشيست صغير” قابل للنمو ، لا يتحملون رؤية أي تنوع أو استيعاب لطرائق الناس في التعامل مع المضامين الحقيقية للأشياء بعيدًا عن إلزام شكلي لهذا التعامل ، لا ضرورة لوجوده إلا في عقولهم .
الطالب الجامعي ليس مُحتاجًا لأن يعاقبه أحد إن أهمل \تساهل \ تكاسل ، هو بحاجة لمن يفهمه أنه و كفرد مسؤول عن توسيع مداركه و آفاقه ، يعاقب نفسه بنفسه إن تسيّب أو اجتهد بالطريقة الخطأ بالسعي المهووس لتجميع أكبر قدر من الدرجات و السعي نحو “الشكلية” دون الحرص على أن يوثر ما يتعلمه في بنيته الذهنية و النفسيّة ، لأنه بهذا يصبح مستقبلاً بلا فعاليّة حقيقية – حتى و إن نجح و تفوق – لأنه ما كان يدرس لنفسه ، بل كان يدرس “للمحاضر \ للقوانين \ للشكل \ للاختبار \ للوظيفة ” .
و في ظل نظم تعليمية فاشلة بالأساس ، يستعلي المحاضرون على فكرة “التعاطف” مع من يعتبرونه “فاشلاً” ، إن هؤلاء القوم لمثيرون للشفقة فعلاً .
من الطبيعي جدًا بل و المهم ، و في ظل هذه العشوائية التي تحيط بنا ، أن يكون هناك قدرًا من التعاطف مع المهمل ، فهذا جزء من الشك المطلوب حضوره طوال الوقت ، الشك بأشياء كثيرة ، ابتداءً بطريقة التدريس نفسها ، مرورا بمدى ملاءمة صياغة المناهج ، وليس انتهاءً بمدى التباين العقلي والنفسي والظرفي للطلاب . لأن الصرامة في حد ذاتها تفترض على الوجه الآخر كمالية بنهج المحاضر ، هي غير موجودة ولن تكون .
و عندما أقول “قدرًا من التعاطف” ، فهذا يعني أن النظرة للتعاطف ليست مطلقة ، بل نسبية مقيدة بالسياق ، فالتعاطف ينشأ من فهم المحاضر نفسه للسياق اللي أدى لحدوث هذا الإهمال ، و على قدر فهمه و سعة أفقه ، يكون قدر التعاطف .
إن الإحساس الشائع بالخواء لدى كثيرين ممن يتواجدون في الجامعة سواءً كانوا طلابًا أم محاضرين ، يستلزم من الجميع الفهم بأن الاستمرار في فعل الشيء كما هو ؛ سوف يجعلهم يحصلون على نفس النتائج كما هي ، و أن الأمر بات مُلحًّا لإعادة النظر في الأساليب المتبعة للعلاقة بالمكان ، و بالعملية التعليمية ، و بالغاية أصلاً من دور الطالب و المحاضر ، فالطالب عليه أن يفهم بأنه ليس مجبورًا على دراسة لا تناسب ميوله و لا رغبات روحه من أجل سوق عمل قابل للتبدل و الانقلاب ، و المحاضر عليه أن يفهم أن الجامعة ليست هي المسرح المناسب لتفريغ عقده النفسية ، أو الحصول على مظهر اجتماعي زائف يُسعى إلى رسمه بإصرار الجاهل ، تعويضًا عن تهميش و قمع تعرض و يتعرض له في حياته ، نتيجة عشوائية البيئة التي نشأ فيها ، هذه العشوائية التي عليه أن يكلف نفسه و عقله عناء المساهمة في تغييرها ، ليبدأ من حيث هو ، محاولاً معالجة عُقد الماضي و ينسى مُسلماته التي تشربها بلا وعي .

- ثانيًا: التأكيد – و تحته ألف خط – على ضمان وصول العلاج لكل الشرائح الاجتماعية و على رأسها الشرائح الفقيرة و ذات الدخل المحدود – الذين تتزايد أعدادهم – حيث يمثلون أكثر الشرائح المعانية من الجهل و عدم القدرة على تحمل تكاليف العلاج المرتفعة بنفس الوقت الذي تُحدُّ عليهم خدماته ، و يُعمل على ذلك من خلال مبادرات بالطلب المباشر من الجهات الحكومية المختصّة ، أو بمبادرات تطوعية مموّلة من رؤوس أموال وطنية أو بجهود ذاتية . إن الانشغال بتقديم الخدمات العلاجية للميسورين فقط و تجاهل وجود شرائح ذات حاجة أشد ، يُفاقم انهيار الصحة النفسية للمجتمع ككل دون أن نعي .
من خلال هذين المحورين الجذريين – القابلين للزيادة – سوف نصبح ضامنين لوجود بيئة تسمح من الأصل بحدوث تطور ” سلس” على مستوى المُعالَج و المُعالِج و كل الإمكانيات المادية المستخدمة بالخطط العلاجية ، تتمثل أهم ملامحه بمراكز علاجية كافية تستوعب الضغط على المراكز الفاعلة القليلة الحالية ، و توظف الكثير الخريجين المتخصصين في نظام أكثر كفاءة بشعرهم بالإنجاز و بالتالي يحفزهم على الابتكار و التطوير ، و تخلق بيئة شاعرة باحتياجها الحقيقي للاهتمام بكل ما يتعلق بصحتها النفسية ، هذا الاحتياج الذي هو وقود عملية تطور الصحة النفسية برمتها .
إنفوجرافيك من إعداد سهام الثقفي ، يعرض بعض الإحصائيات عن التدوين في العالم العربي .
“ماركيز - من رواية “الحب في زمن الكوليرا
بمناسبة نجاح قفزة فليكيس أحب أن أقول : مبروك “للإحساس البشري” ، قبل أن أقول مبروك للعلم : )
مبروك “للإحساس البشري” بهذه التجربة ، لأن قلوب مليارات البشر اتحدت مع بعضها لتتمنى سلامة رجل ، متسامين عن كل الفوارق ، وهنا جوهر الروعة .
و أشعر أن تأمل الانفعال مع هذه التجربة سيكون نقطة تحول لإحساس كثير من البشر ، لنفكر بجدية و عمق بأن انتماءنا “للإنسان” هو ما يجب أن يكوِّن نظرتنا و مشاعرنا تجاه أنفسنا و تجاه بعضنا البعض بعيدا عن أي تمايز .
الفنان لا يخلد فنّه من فراغ ..
لمّا تتأمل عبد الوهاب هنا في البروفة ، تدرك لماذا أصبح فنانًا عظيمًا ، ببساطة لأنه حابّ يتعلّم لآخر لحظة ، و ظل ينقد نفسه لآخر لحظة أيضًا ، لدرجة إنه قال : “جتنا نيلة” لانبهاره بمنهجية ما في التأليف الموسيقي :)
عمره في الفيديو وقتها كان 90 سنة ، و البروفة كانت قبل وفاته بأشهر .

http://mahmoudaltahhan.wordpress.com/2012/09/27/women_and_-journey_to_find_god/
تتواجد المرأة – حقيقة لا مجازًا – كمصدر واهب للحياة ، و أستشعرها بكل وضوح كمكافئٍ موضوعيٍ “للأرض” بكل ما تحمله هذه الدلالة من معانٍ متعددة المستوى ، ابتداءً من احتواء الخلق ، و ليس انتهاءً عند اعتبارها أحد المحددات الوثيقة للهوية ، هذا إن أردنا أن ننظر بموضوعيّة بعيدة عن منظومة القيم العنصريّة و عقدها النفسيّة ، لذا لا غرابة عندما يأتي أثر المرأة في تكوين المُنجز الخلاّق عميقًا ، فمثلاً ستجد أن هذا الأثر “ثيمة” تجيء كعامل مشترك في كل قصص الأبطال التي يُمكن أن تقرأها عبر حكايا التاريخ و حكايا الميثولوجيا حول العالم ، و أقصد بالبطولة هنا ، معناها العام حين تُطلق على شخصية محوريّة ذات بعد روحي ، أثّرت بعمق في تاريخ أمة من الأمم ، لنجد المرأة مكونًا أصيلاً من مكونات هذه الشخصيّة ، و من ثم من مكونات مُنجز الشخصيّة ، فيُستحق أن تتصف كونها “شخصيّةً بطوليّة” .
و عندما قررت أن أطرح هذه الرؤية ، قصدت أن تكون مُسقطةً على علاقة كان تأملها شديد الإلحاح عليّ ، تلك العلاقة التي كانت بين السيدة خديجة بنت خويلد و النبي محمد عليه الصلاة و السلام ، و أحببت عرض هذه العلاقة كمثال على رؤيتي حول الدور العميق للمرأة ، حيث التمست الشكل الذي يسهل توصيل الأفكار بأكبر قدر ممكن من السلاسة ، باعتبار أن هذه العلاقة ، تجربة إنسانيّة معروفة لدى شريحة واسعة من النّاس في المحيط الذي أخاطبه . لذا أرى أنه من الجميل أن يُقرأ ما كتبته في سياق تأمل التجربة بغض النظر عن الموقف من الدين ، فهي قراءة معنيّة بالجانب الروحي و الفلسفي فيها ، و ما ينطوي داخلها من دلالات تستحق الوقوف عندها .
تتجلى الرومانسية في حالة النبي محمد ، كنتيجة مُباشرة كون المرأة مكونًا أصيلاً لشخصيته ، حيث منحته السمات التي اكتسبها بفضل تواجدها في حياته بتجليات مختلفة ، طريقا غير تقليدًا يتصل فيه بالله ، وهذا يحيلنا إلى أن الرومانسية باعتبارها القدرة على “الحلم” و تدعيم القدرة الذاتية لتحقيقه مع عدم إغفال التقييم الواقعي ، هي الجزء الأساسي في أي عمليّة خلاّقة ، وقد أسيء فهم هذه الكلمة كثيرًا ، حيث اعتبرها البعض دلالة على قصور بتقييم الواقع ، وهذا ليس دقيقًا .
و حضرت المرأة كلاعب أساسي بالتأهيل النفسي الذي انعكس روحيًا بالمراحل الفاصلة في حياة النبي ، ظاهرةً في تلك الرهافة بتكوينه الشخصي عمومًا ، و في الجانب الأنثوي بذلك التكوين الذي كان يطغى على السلوك كثيرًا ، حين يبدو هذا الجانب متجليًا بحساسيّة عالية تجاه التفاصيل ، و نظرة أفقيّة يمكنها من الرؤية الشموليّة ، و القدرة على الاحتواء ، و الرغبة في العطاء ، و رنينًا وجدانيًا يمكنّه من الشعور العميق بالآخر ، الأمر الذي انعكس بتصالح النبي مع ذاته ، و السعي الدؤوب لصقل البعد الروحي داخله . و أعتقد أن احترام النبي الشديد للوجود الأنثوي جاء نابعًا من إدراكه لوجوده في تكوين شخصيته ، و الذي انعكس بعد ذلك في تجربته الروحيّة ، ببحثه عن الله و محاولات فهمه لنفسه و الكون .
كما لعبت كل صورة من صور المرأة التي ظهرت بحياة النبي ، دورًا في تشكيل شخصيته لتجربة لاحقة . و أرى أن أول حضور مؤثر للمرأة تمثّل في السيدة حليمة السعدية ، التي تكفّلت بإرضاعه و تربيته حتى بلغ 6 سنوات من عمره تقريبًا ، و بهذا تصبح المرأة واهبة العناصر الأوليّة للتكوين الشخصي له ، الذي انتقل به بعدها إلى مكّة حيث بداية مرحلة جديدة . ثم تمثّل الحضور المؤثر الثاني للمرأة بأمه السيدة آمنة بنت وهب ، حيث جاءت وفاتها السريعة بعد عودته من مرباه في البادية ، لتضفي بعدًا دراميا أثر على تكوينه النفسي بجانبه المؤنث ، ليأخد “الحنين” موقعه كدافع للرغبة الدائمة نحو الاحتواء كمتلقٍ أو مانح ، و لعل هذا ينعكس في قدرته على تمثل مشاعر الأمومة تجاه من هم في محيطه ، كذلك في اعتباره القدرة على “الأمومة” مزيّة في المرأة ، حتى أنه مثلاً قد لقّب ابنته فاطمة بـ “أم أبيها” .
إلا أن ذروة التأثير الأنثوي في البناء الوجداني للنبي حدث عند ظهور السيدة خديجة بنت خويلد في حياته ، حيث استمر هذا الأثر إلى أن توفي . و عند تأمل تأثير السيدة خديجة في شخصيته ، يمكننا أن نعي كيف كان وجودها محوريًا في حياة النبي ، و كيف أنها منحت طابعها الروائي حلاوة الصياغة .
فإحساس الرجل بالقدرة عندما يكون “خلاقا” ، لا سبيل أن يأتِ إلا من امرأة ذات ثقل نفسي عميق ، و يبدو أنه مع ظهور أثر السيدة خديجة بسيكولوجية النبي ، قد تكوّنت حالة حولت كل تطلعاته الرومانسية لطاقة ذات رؤى أكثر تحديدًا ، حيث كانت شخصية خديجة تتسم بالرصانة و الجرأة ، ممزوجة بانسجام مع عاطفة ذات مُواجدة عالية ، و بهذه السمات فقد ساهمت في جعل البعد الحدسي لدى النبي قويًا ، حيث لا يصبح البعد الحدسي لدى المرء عاليًا الا إن كانت المرأة جوهر فعاليته ، لأنه المعني بالقدرة على تحديد الطريق الذي يمكن أن يتواصل به الفرد مع الطاقة التي تحكم هذا العالم كمحاولة لفهمها بالتأمل ، و الاستشراف ، و استشعارالإيجابية ، و القدرة على التقاط إشاراتها ، و من ناحية أخرى ، مساعدته على إدراك الفرد العميق لمعانٍ كالوطن، و الهوية ، و ما ينبغي أن يُناضَل من أجله ، و كل هذا بدا أن تبلوره لدى النبي قد أصبح مكتملاً على يد خديجة .
و كرجل تحتاج طمأنينة عميقة لحدس فعّال ، فإنه لا يوجد أجمل من امرأة تستشعر صدق إيمانها بك لتكون إحدى مرتكزات سلامة الحدس . حيث انعكس أثر خديجة على إغناء البعد الروحي للنبي كونها لم تكن فقط عميقة الفهم له ، بل كانت عميقة “الإيمان” بشخصه – قبل دعوته – و هو الأهم ، و سنجد أن إيمانها “بمجهوده” في التأمل المدفوع بالقلق المعرفي ، بغض النظر عن نتيجة هذا المجهود ، كان مهمًا لترقي هذا التأمل لمراحل عليا ، يتضح هذا مثلا في المدى الذي وصل له فهمها لرغبة النبي بالانعزال في غار بعيد ، و تعاملها الجاد و المسؤول بعد ذلك حين عاد من إحدى تأملاته في ذلك الغار و هو شديد الجزع حد الارتجاف ، لتبادر بنبرة واثقة و مطمئنة قائلة : ” كلا و الله لا يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم ، و تحمل الكلّ ، و تكسب المعدوم ، و تقري الضيف ، و تعينُ على نوائب الحق ” ، ثم تنصرف بعد ذلك إلى ابن عمّها ورقة ابن نوفل لتبحث معه بجديّة ما أصاب مُحمدًا ، و هذا السلوك مثال لما عنيته في هذا السياق بمفردة “الإيمان” تحديدًا الذي يختلف عن مجرد “التفهم” بطبيعة الحال .
و مما يلفت النظر ، أن شخصية السيدة خديجة هي الشخصية النسائية الوحيدة في حياة النبي التي كانت على قدر “ندِّي” من التفاعل معه ، و ذات تكافؤ في العطاء على مستوياتٍ عدّة ، و يظهر هذا مثلا ، في انتهاج “المُبادرة” كسلوك تجاهه ، حيث نجدها هي من تُبادر بطلب عمله معها في التجارة ، و هي من تُبادر بطلب الزواج منه ، ثم هي من بادرت بالتفاعل الإيجابي مع أفكاره الثوريّة ، و هذا يحيلنا إلى أن امرأة كهذه ، كانت إحدى الأسباب الهامّة بجعل شخصية النبي ذات تحفزٍ دائم نحو الكمال ، فهذه النديّة جاءت خالقةً لتجانس انعكس على تطور رؤية النبي و مواقفه من نفسه و العالم ، و وهبته طاقة كبرى روحانيّة اعتمد عليها في تقديم دعوته ، و أمدته بفعالية نفسية لمواجهة التيار الرافض لأفكاره .
و المرأة في حالة كحالة السيدة خديجة ، يتجاوز الاتصال بها مجرد التواصل البشري ، ليتسامى واصلاً لحالة من الإشباع الروحاني ، فيتحقق لها “التفرد” ، كونها هي الشخصية الوحيدة القادرة على إيصال المرء لهذا القدر من التجلي الحدسي ، و لا تستقيم هذه الحالة إلا بامرأة واحدة ، فيستحيل عندئذ توزع المهمة بحصول اتصال على نفس المستوى مع أكثر من امرأة ، و هذا ما يطمئن إليه قلبي في تفسيري لعدم ارتباط النبي بأي امرأة في حياة خديجة ، فلم يكن زهد النبي في غير خديجة ، امتنانًا لها أو جبرًا لخاطرها من الكسر ، و إنما يتعدى ذلك ، بإدراكه أنّها إحدى الدوافع الأساسيّة في ديمومة فعاليّة نمو الجانب الروحي لديه ، هذه الفعالية التي تتحقق أيضًا بعدم الاكتفاء “بالأخذ” ، لذا نجده مهتما بالعائد الروحي الذي يتأتى من فكرة “العطاء” لخديجة ، فيظل مثلاُ متصدقًا عنها بعد وفاتها .
و لا يُمكن تخيّل حجم المعاناة الروحيّة التي يمكن أن تحدث عند فقد امرأة بهذه الكينونة ، لذا نجد النبي قد تعمّد إبقاء خديجة على قيد الحياة ، حيث أنه لم يكف عن الحديث عنها أمام زوجاته اللاتي تزوجهنّ بعد وفاتها ، و لم يكتفِ بالاقتصار على استحضارها في خياله ، و كأنه أراد دفعهنّ للتشبه بها ، حيث تتجسد في شخصيات نسائية متعددة يعكس عليهن تجاوبه مع المرأة التي ساعدته على معرفة الله ، فيأتي الدافع لهذا السلوك فريدًا ، حيث أن نمط “التجسيد” بالبيئة العربيّة غير مألوف ، و الوسيلة التي تحفظ أكبر قدر من التفاصيل المفقودة منعدمة ، و حين يصبح الاعتماد على ما تحتفظ به الذاكرة أقل مما يُشبع عمق العشق ، و يشفي شدة الشوق ، و يخفف مرارة الفقد .
لقد عززت المرأة من “المعنى” في حياة النبي ، متمثلة ذروتها التأثيرية بشخصية السيدة خديجة ، و ساهمت بطبيعة تكوينها النفسي بدعم تطلعه الروحاني ، و هي بذلك تعكس نموذجًا للتجارب الإنسانية التي يفتح فيها الحُب الشفيف للمرأة و تناغم التفاعل معها ، نافذة أكبر يُرى منها الوجود بنظرة شديدة العمق و الحساسية في آن واحد ، و هي بتواجدها بهذه الكيفية ، تؤسس عالمًا تُوظف فيه كل رؤى و خبرات المرء لتصبح خبرة أكثر صقلاً و ثقلاً ، و أثرًا إيجابيًا ملموسًا على النفس و حيِّزها المُحيط .